فصل: تفسير الآيات (1- 7):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (84- 88):

{مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (84) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (86) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)}.
التفسير:
قوله تعالى: {مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ}.
هو إعلان عام للمؤمنين والكافرين.. للمصلحين والمفسدين.. للذين يعلمون الصالحات، والذين يقترفون السيئات.. إن لكل حسابه وجزاءه.
أما أهل الإحسان، فيجزون بإحسانهم إحسانا مضاعفا.. فضلا من اللّه وكرما.. وأما أهل السوء، فيجزون بسوئهم سواء مثله، حقا من اللّه وعدلا.
وقد أفرد الضمير في مقام الإحسان، حيث تختلف منازل المحسنين، فيما يجزون به على إحسانهم.. الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، واللّه يضاعف لمن يشاء.. فهذا مقام الفضل، ينزل فيه اللّه عباده منازلهم من فضله ورحمته.
أما أهل السوء، فهم على حال واحدة.. السيئة بالسيئة ولا زيادة.. فهم في مقام العدل. الذي يقتضى المساواة.. ولهذا جمع ضمير أهل السوء.
{فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ}.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
فرض القرآن على الرسول، هو حمله عليه حملا كاملا.. حيث يتلقاه من ربه، ويستقيم على كل آية منه، ويبلغه إلى الناس، ويجاهدهم به.
والمعاد الذي يرد إليه الرسول، هو لقاء ربه، وتلقى ما وعده اللّه به من رضا ورضوان.
وإذن فهذا القرآن المفروض على الرسول الكريم، هو الرفيق الذي يعيش مع الرسول في الدنيا، ويلقى اللّه به في الآخرة، حيث يجيء ومعه المحصول الوفير، من مغارس الإيمان التي غرسها القرآن في الأرض، فكان منها هذه الأمة المسلمة، التي تأخذ مكانها في المحشر، وقد رفع على رأسها علم التوحيد! وفي هذا يقول اللّه تعالى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ} [71: الإسراء] ويقول سبحانه: {فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً} [41: النساء].
وقوله تعالى: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} هو إلفات إلى هذا القرآن الذي فرض على الرسول، وهو الهدى، الذي من اتبعه اهتدى ورشد، ومن خالفه ضل وغوى.
قوله تعالى: {وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ}.
أي أن هذا القرآن الذي فرضه اللّه عليك- أيها النبي- لم يكن عن أمنية تمنيتها، ولا عن سعى سعيت له.. فذلك مما لا يحصل بالسعي، ولا يستدعى بالأمانى.. وإنما هو رحمة خالصة من عند اللّه، يختص بها من يشاء من عباده، ويضعها حسب ما يقضى به علمه في خلقه: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ} [124: الأنعام].
وقوله تعالى: {إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} هو بدل من {أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ} وهو في تأويل مصدر مفعول به لترجو.. والمعنى: ما كنت ترجو كتابا يلقى إليك من ربك، ولكن كنت نرجو رحمة منه.. وها قد جاءتك الرحمة عامة شاملة من ربك في اصطفائك للرسالة، ولكتابها الكريم.
{إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً} [87: الإسراء].
وقوله تعالى: {فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ}.
هو تعقيب على هذه؟؟؟ العظيمة، وتلك النعمة الكبرى، وهذه الرحمة العامة الشاملة، التي ينبغى أن يأخذ كل إنسان حظه منها، إذا هو التمسها، ودخل في حماها.. وهؤلاء هم المؤمنون.. أما الكافرون فلا نصيب لهم منها.
وإذن، فالذى ينبغى أن يكون عليه شأن الرسول مع هذه الرحمة الشاملة التي وضعها اللّه سبحانه وتعالى بين يديه- هو أن يجعلها قوة تظاهر المؤمنين، وتقوّى جبهتهم، إزاء الكافرين والمشركين وأهل الضلال جميعا، لأنها قوة من قوى الحق، ومن شأنها أن تخلص لأهل الحق وحدهم.
والنهى الموجه للنبى في قوله تعالى: {فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ} هو دعوة للنبى إلى اليأس من هؤلاء المشركين من قومه، الذين قال اللّه فيهم:
{أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [41: المائدة] وقال سبحانه:
{إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ} [37: النحل] ذلك أن وقوف النبي- صلوات اللّه وسلامه عليه- هذا الوقوف الطويل مع المشركين المعاندين من قومه، طمعا في إيمانهم، هو على حساب المؤمنين، أو الذين يستجيبون للإيمان، حيث تلك هي المواطن الصالحة للغرس، والإنبات والإثمار، وهي المواطن التي ينبغى أن يوجه الرسول إليها كلّ جهده.. وقد عاتب اللّه سبحانه وتعالى النبي الكريم في ابن أم مكتوم الأعمى، المؤمن، الذي جاء يستزيد من الرسول إيمانا، ويطلب هدى، والرسول في لقاء مع بعض وجوه القوم، من المشركين، وفي جدل حاد، يرجو الرسول من ورائه أن تلين قلوب الجماعة، وتدخل في دين اللّه- فقال تعالى: معاتبا لرسوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ} (1- 11. عبس) وقد دخل موسى عليه السلام في تجربة كتلك التجربة، حين أخذته عاطفة العصبية لقومه، وما كانوا يلقون من ظلم على يد فرعون وقومه.. وقد تمثل له ذلك فيما وقع بين المصري والإسرائيلى، وقد انتصر موسى للإسرائيلى، على المصري.. فلما خرج من تلك التجربة، استشعر الندم، واستغفر ربه، ونذر نعمة القوة التي في كيانه، أن تكون دائما للحق، ومع الحق حيث كان، فقال: {رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ}.
ولعل هذا هو بعض السر في الجمع بين هاتين الآيتين في هذه السورة.
قوله تعالى: {وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
هو تحذير للنبى من هؤلاء المشركين من قومه، وذوى قرابته، الذين يدعونه إلى أن يدع ما هو فيه، حتى لا يكون بموقفه هذا سببا في تمزيق وحدة قومه، وإلقاء العداوة بينهم، حتى يقتل بعضهم بعضا.. فهذه قريش لا تريد الدخول في دينه، وهؤلاء أهله الأدنون يأبون أن يتخلّوا عنه، ويتركوه لقريش ترميه بالأذى.. وهذا عمه أبو طالب يدعوه إلى أن يرفق به وبأهله، وألا يحملهم على مواجهة قريش، فيقول له لرسول الكريم قولته الخالدة تلك: «واللّه يا عم لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في شمالى على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه» وقوله: {وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ}.
هذا فوق أنه تحذير للنبيّ من أن تغلبه عاطفة الحرص على أهله أن يصيبهم سوء من أجل انتصارهم لعصبيتهم فيه- هو تثبيت لقلب النبيّ، وترسيخ لقدمه في القيام على دعوته، وألا يلفته شيء عنها.. فلتذهب الدنيا كلها، ولتبق راية الحقّ قائمة في يده.
وفي قوله تعالى: {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} دعوة إلى قطع كل رابطة من قرابة أو نسب، وإلى التضحية بكل عاطفة بينه وبين أهله، إذا كان في ذلك جور على دعوته، وتحيّف على شيء من عزمه وإرادته في القيام بتبليغها، والجهاد بها. فهو في تلك الحال ليس من أهله هؤلاء المشركين.. إن أهله وقرابته هم المؤمنون: {إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [91: النمل] فالمؤمنون هم أهل الرسول، وهم قرابته.
قوله تعالى: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بهذه الآية تختم سورة القصص.
وهي تعزل النبيّ عزلا تاما عن قومه المشركين، الذين يدعون مع اللّه آلهة أخرى.. فهو على طريق، وهم على طريق.. هو له دينه، وهم لهم دينهم، فلا جاممة تجمع بينه وبينهم إن لم يجمعهم الاجتماع على دين اللّه، وعلى إخلاص العبودية له وحده، لا إله إلا هو.
فإذا سلم للمرء دينه، وخسر كل شيء، فهو الذي ربح كل شيء ولم يخسر شيئا.. لأن كلّ شيء هالك وإلى زوال، ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام.
وإذن فلا حساب لأهل، أو مال، أو ولد، مع الدّين الذي يشد الإنسان إلى اللّه، ويقيمه على ولاء له.. فالأهل والمال، والولد، وكل شيء هالك، فيصبح الإنسان أو يمسى ولا شيء له، أو معه من هذا، ثم يلتفت فلا يجد إلا ما ادخر عند اللّه من إيمان وتقوى.. {وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا} [46: الكهف]- وفي قوله تعالى: {لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} هو إلفات إلى اللّه سبحانه وتعالى، وإلى أنه جلّ شأنه المتفرّد بالبقاء، وبالحكم بين العباد، يوم يرجعون إليه.. فالذين كانوا على ولاء مع اللّه، يدخلون في ظلّ هذا الولاء، فيجدون الأمن والسلام، والذين عادوا اللّه وحادّوه، وكفروا به وبرسله، يظلمون في العراء، بعيدين عن هذا الظل الكريم الرحيم، {أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ}.

.سورة العنكبوت:

نزولها: مكية.
عدد آياتها: تسع وستون آية.
عدد كلماتها: تسع مئة وثمانون آية عدد حروفها: أربعة آلاف ومئة وخمسة وتسعون.
مناسبتها لما قبلها:
كان ختام سورة القصص دعوة إلى النبيّ الكريم، وإلى المؤمنين جميعا، أن يكون ولاؤهم كلّه للّه، ولدين اللّه، وأن يكون ما بينهم وبين أهليهم وذوى قرابتهم، من وراء هذا، وأنه لا بأس إذا قطع الإنسان، رحمه، وعادى أهله في سبيل دينه، إذا كان في صلة الرحم، وموادّة الأهل، ما يجور على الدين.
وقد كان.
ثم كان بدء سورة العنكبوت إعلانا صريحا للمؤمنين، بما انطوى عليه ختام سورة القصص وهو أن الإيمان له تبعاته وأعباؤه التي يجب أن يتحملها المؤمنون في رضا، وأن يتقبلوها في صبر واحتساب لما وعدهم به اللّه سبحانه وتعالى، من ثواب عظيم، وأجر كريم.
فالمؤمن في وجه فتن كثيرة، ترد عليه من أكثر من جهة.. من نزعات نفسه، ومن وساوس شياطين الإنس والجنّ، ومن دفاع عن دين اللّه، الذي يكيد له الكائدون، ويبغى عليه الباغون.. كما سنرى ذلك في شرح الآيات التي بدئت بها هذه السورة.

.تفسير الآيات (1- 7):

{الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (7)}.
التفسير:
فى هذه الآيات التي بدئت بها السورة، تقرير لما ختمت به سورة القصص قبلها، وهو أن الإيمان باللّه، ليس مجرّد كلمة ينطق بها اللسان، وإنما هو عقيدة تسكن القلب، وعمل تقوم به الجوارح، وجهاد شاق متصل.
وبهذا يكون للإيمان وزنه واعتباره، ويكون للمؤمنين شأنهم ومقامهم.
فالمؤمنون، الذين لقيتهم هذه الآيات في أول الدعوة الإسلامية- كانوا في وجه محنة قاسية، حيث انخلعوا عن أهليهم، وانعزلوا عن مجتمعهم، وكانوا قلة قليلة في مواجهة عاصفة عاتية، تسوق إليهم البلاء بغير حساب، حتى هاجروا من ديارهم، وخرجوا من أموالهم.. فلما اجتمع لهم في موطنهم الجديد، شيء من القوة، وأذن اللّه لهم في القتال- كان أول لقاء لهم، مع آبائهم، وأبنائهم، وإخوتهم، فعملت سيوفهم في رقاب المشركين من أهليهم وذوى رحمهم، فما نكل أحد منهم عن أن يضرب بسيفه من كان- قبل الإسلام- يفديه بنفسه، ويلقى الموت دونه.. وقد حدّث التاريخ أن أبا بكر لقى ابنه في معركة بدر، وقد عرفه ابنه ولم يعرفه.. فلما كان بعد زمن، ودخل ابنه في الإسلام، قال لأبيه: لقد عرضت لى يوم بدر، فأعرضت عنك، فقال له أبو بكر، لو عرضت لى يومئذ، وأمكننى اللّه منك، لما رددت سيفى عنك!! ولا شك أن هذه كانت تجربة ثقيلة على نفوس المؤمنين، وقد احتملوها صابرين، وكانت آيات اللّه تتنزل عليهم، فتبعث في نفوسهم المضطربة، سكنا، وتسوق إلى قلوبهم الملتهبة، بردا وسلاما.
ونجد في قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} تصحيحا لما يقع في بعض النفوس المؤمنة من انزعاج أو استثقال لهذا العبء الذي حملوه من الإيمان باللّه.. كما نجد في الآية والآيات التي بعدها إجابات قاطعة على تلك التساؤلات التي كانت تتردد في الخواطر: لم يكون الإيمان هكذا غالى الثمن، باهظ التكاليف؟ ولم يحملنا إيماننا باللّه على هذا المركب الوعر؟ ألسنا على الهدى، وعلى الصراط المستقيم؟ وهل هذا الطريق هكذا وعر المسالك، مزدحم العقبات؟
ونعم.. إن الإيمان هكذا غالى الثمن، باهظ التكاليف، وإن طريقه وعر المسالك جمّ العقبات!! إنه الطريق إلى الجنة، وإن طريق الجنة محفوف بالمكاره! وإن هذا البلاء الذي يلقاه المؤمن على طريق إيمانه، هو ابتلاء له، وتمحيص لما عنده من صبر ومصابرة.. وهل يصفّى الذهب من الغثاء الذي علق به، إلا إذا صهر بالنار؟ {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ} [31: محمد]. {ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [179: آل عمران].
وهل انكشف وجه النفاق، وعرف المنافقون إلا في بوتقة الابتلاء، وفي مقام التضحية والبذل؟
إن الناس جميعا على سواء في حال الأمن والعافية.. فإذا كانت المحن والشدائد، فهم أنماط وأشكال، وهم معادن مختلفة، بين غث وثمين! والاستفهام في الآية الكريمة، للإنكار، والنفي.. أي ليس الأمر على ما يظن الناس وما يقدرون، من أنهم إذا قالوا آمنا كانوا مؤمنين.. كلّا، إن ذلك لا يكون حتى يفتنوا، وحتى يبتلوا.. وعندئذ ينكشف ما عندهم من إيمان.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ} هكذا حكم اللّه في عباده.. فكما امتحن اللّه المؤمنين في الأمم السابقة، يمتحن سبحانه الذين أسلموا، بما يفتنهم، في دينهم مما يلقاهم من شدائد ومحن.
فمن كان صادق الإيمان، سليم العقيدة، خالص النية، أمسك إيمانه في قلبه، وثبت عليه، ومن كان على غير تلك الصفة انخلع عن دينه، وألقى به لأول مسة تمسه من بلاء، وباعه بأبخس ثمن!.
وفي قوله تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ} بهذا الأمر المؤكد- إعلان للمؤمنين بأنهم في وجه ابتلاء، وفي مواجهة فتن، لابد لهم منها.. إن لم تكن واقعة بهم فعلا، فإنها ستقع حتما.. هكذا يجب أن يتقرر في نفوسهم من أول الطريق.. فمن شاء أن يكون في المؤمنين، فليوطن نفسه على هذا، وليستعد لحمل أفدح الضربات.. وإلا فليأخذ طريقا غير هذا الطريق، وأمامه أكثر من طريق فسيح.!
والمؤمنون الأولون الذين دخلوا في الإسلام، ورسخت أقدامهم فيه، هم- كما شهد التاريخ- أصفى الناس جوهرا، وأكرمهم معدنا.. فقد كانوا خلاصة مجتمعهم، وثاقة عزم، وقوة يقين.. فاحتملوا من الشدائد والمحن ما تتصدع به الجبال الراسيات.. {فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [146: آل عمران] ومن أجل هذا، فقد شهد القرآن الكريم لهذه الصفوة المتخيرة من عباد اللّه أكرم شهادة، وجعل ميزان الواحد منهم يعدل عشرة من غير المؤمنين، فقال تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} [65: الأنفال].
وأنت ترى أن الصفة التي فرق بها القرآن بين هؤلاء المؤمنين، والمشركين، هي الفقه.
وهو ليس ذلك العلم النظري، وإنما هو الحق الذي يملأ القلوب نورا، فيكشف لصاحبه من آيات اللّه، ودلائل قدرته، وعلمه، وحكمته، ما يصغر به كل شيء، إزاء عظمة الخالق وجلاله.
قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ}.
هو لفتة تلفت المؤمنين، الذين يعانون ما يعانون من أعباء الإيمان وتبعاته- إلى هؤلاء المشركين، الذين خلت دنياهم من هذا البلاء، وفرغوا لما هم فيه من متع الحياة.. فهؤلاء المشركون لهم يومهم الذي يوعدون، حيث يلقون ما يعلمه المؤمنون من سوء العذاب، الذي أعدّه اللّه للمشركين والمنافقين والكافرين.. إنهم لن يسبقوا يد القدرة المتمكنة منهم، وإنهم لن يفلتوا من بأس اللّه إذا جاءهم.. وإنهم إن ظنوا ذلك، فذلك الظن هو الذي يحملهم إلى الردى، ويسوقهم إلى الهلاك. {ساءَ ما يَحْكُمُونَ}.
قوله تعالى: {مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
هو دعوة للمؤمنين إلى ما أعد اللّه لهم من نعيم، وتطمين لقلوبهم بما وعدهم به من مغفرة ورضوان، فهم لهذا الوعد يعملون، وعلى رجاء لقاء ربهم يجاهدون، ويصبرون على ما يلقون من أذى وبلاء.
وقوله تعالى: {فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} توكيد لتحقيق وعد اللّه، وأنه آت لا شك فيه، ولكن في الوقت الموقوت له.. ولهذا جاء النظم بلفظ {أجل} بدلا من اللفظ الذي يقتضيه سياق النظم وهو اللقاء.
وذلك للإشعار بأن هذا الوعد له أجل محدود، عند اللّه، وأنه متى جاء الأجل، التقى المؤمنون بما وعدهم اللّه به.
وقوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} السميع لما يقول المؤمنون بألسنتهم، العليم بما انعقد في القلوب من إيمان، يصدّقه العمل.
قوله تعالى: {وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ}.
وهذا البلاء الذي يحتمله المؤمنون، وهذا الجهاد الذي يجاهدونه في سبيل اللّه، إنما هو تزكية لأنفسهم، وتطهير لقلوبهم، وإعلاء لذواتهم.
وإنه ليس للّه من أعمال عباده ما ينفعه أو يضره.. فلا ينفعه طاعة المطيعين، ولا يضره عصيان العاصين.. وكيف، وهو سبحانه الذي يقوم على وجودهم ويحفظ عليهم حياتهم، ويمدّهم بكل نفس يتنفسونه في هذه الحياة؟ {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ}.
إن هذا الجهاد، وهذا الصراع القائم بين الحق والباطل، وبين المؤمنين والكافرين، هو ضريبة الحياة، وهو الثمن الذي يقدمه المؤمنون المجاهدون في سبيل حياة أفضل.. فهم أصحاب الحياة بحق، وغيرهم دخيل عليها، لا يستحق أن يأخذ مكانا كريما فيها.. فجهاد المجاهدين، هو في الواقع، جهاد في سبيل وجودهم، وجودا كريما في هذه الحياة الدنيا، وإلّا فالموت في مجال الصراع خير لهم، حيث ينقلون إلى دار خير من دارهم، وإلى حياة أفضل من حياتهم.
إن النبتة لا ترى النور، ولا تصافح النسيم، حتى تدفع برأسها الواهي الضعيف هذا التراب الذي قام فوقها، وحجب النور عنها..!!
وفي الإنسان- كل إنسان- أشواق إلى عالم الحق والنور، وتقوم بينه وبين هذا العالم سدود من الباطل والضلال، وإنه لكى يصافح معالم الحق والنور، ينبغى أن يزيل هذه السدود، وأن يحطمها بكل ما أوتى من قوة، وألا يتحول عن موقفه منها حتى يبلغ غايته، أو يموت دونها.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ}.
هو احتراس مما تقرر في الآية السابقة من أن جهاد المجاهدين، وما يصيبهم على طريق الجهاد، هو لهم، وليس للّه منه شيء.. وهذا الاحتراس يدفع ما يقع في النفوس من أن الجهاد والبلاء لا أجر له عند اللّه.. وكلا، فإنه مع أن أجر الجهاد فيه، وأن ثمرة كل عمل صالح يجنبها صاحب العمل من العمل نفسه- مع هذا فإنه اللّه سبحانه وتعالى، قد جعل للعمل الصالح جزاء حسنا من عنده، كما توعد أصحاب السيئات والمنكر بالعذاب الأليم.
فالذين آمنوا وعملوا الصالحات قد وعدهم اللّه بأن يكفر عنهم سيئاتهم، بما عملوا من حسنات، كما يقول سبحانه: {إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ} [114: هود] كما وعدهم بأن يجزيهم بإحسانهم إحسانا مضافا، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف {وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ}.